تم الكشف عن مانع الإعلانات

الإعلانات تساعدنا في تمويل موقعنا، فالمرجو تعطيل مانع الإعلانات وساعدنا في تقديم محتوى حصري لك. شكرًا لك على الدعم ❤️

السفر نحو البستان

السفر نحو البستان

بقلم / فاضل محمد خضير

 

 

يمضي ليطفىءً الانتظارً بقناديـلٍ الأمـلٍ ويغادر الرمادية بصهوةٍ الوصول. كان يلتهم بعضً الصورٍ ويتغافل’ عن كثير لاشيءً يشغله سوى نهاية الفصول ليخطً لمعان’ الولادةٍ لمخاضاتٍِِ الزمنٍ الماضي… ويمضي…أطياف عمرهٍ تحتشد’ في وريقات احتبست بيديهٍ.
يرتبها حسب خريطة الزمن… تعب كاهله’ مطأطيء الجانب يحمل حقيبة” ملئت بأوراق ودلالات الحيـاة أًمروه’ أن يحال على التقاعد بمحصول زهيد,
هكذا تقول’ الأوراق , ولكن رائحة الأماني أزهقت اليأس … قالوا وقالوا , ويمضي , أطياف عمره تحتشد’ في وريقات … خجولة أمام سني عمره في العطاء الذي تجاوز ثلاثة عقودٍ …

 

نزيفُ أنفاسه يحتدم … ينظرُ .. عجبا” أَهذا ( لطيف ) صديق عمره الضائع …. لم يره منذ تلك العقود ( منذ تخرجه من الكلية ) … تقدم إليه وتتصاعد في جوانحه اشراقات ذكرى لذيذة , اقترب أكثر , كان لطيف مشغولا” بوضع أكياس وأشياء في صندوق سيارته , انتبه للقادم . لم يكترث من أول نظرةٍ , ولكنه إنشد , وضحكت أساريره وترك ما بيده وتقدم مصافحا” بأدبه المعهود صديق الدراسة .. قال بحرارة:
– قطعا” إنك فائز … ذلك الصديق الشفاف و … يسكت فائز ينتظر قبل أن يسترسل … لمعت عيناه وبادر :
– نعم أنا هو … كيفك … مازلت رشيقا” … لم يغيرك الزمن كثيرا” ..

 

 

 

إنطلقت قهقهات خفيـفة من لطيف وأردف قائلا” : كما أنت كنت مشاكسا” …
مرِحا” … تملاؤك السعادة ….
– كنتً … !!
– يسكت لطيف لحظة … أحس أن محدثهُ لم يعد ذلك الذي عرفه .. أراد تغير الحديث قال :
– ماذا تعمل الآن ؟ هل مازلت في التدريس …
– أُحلت على التقاعد … وأنا بطريقي لأكمل المعاملة …
– أنا شيدت عمارةً … وموردها صار تقاعدي … مازلت اعمل في النشاط التجاري …. دعنا نلتقي وهذا كارتي فيه الأرقام … أرجوك أن تتصل بي .. إلى لقاء قريب ..
جمع ما ضاع منه من شتات أفكاره , وضع الكارت في جيب معطفه ومضى مع أطياف عمره المحتشدة في وريقات .

 

تباطئت خطواته صعودا” لمنحنى الجسر المرتفع … وجده صعبا ثقيلا” على كاهله , يحمل رمادَ أيامه … يسترجع سراب الأيام بين جوانحه … سيترجل من حيرته عند البستان في نهاية الجسر …
وعندها ينتهي السفر …. سيتكلم انتظاره … صمته , أثمار … حان وقت الحصـاد .. بعد شيوخ الأوصال …
سيشهق’ من جديد بين آمـال القادم إليه ….ويطفىء نار الذكرى بالأمل .. قريبا سيجمع’ حطبه لدفىء جديد … وتزهر أعشابه لهيب فرحٍ .. ويمتلىء نعاس يشدو … لا تخسف شموسه بعد اليوم … صافية” مرآته أمام عينيه التعبة … وتبدأ روزنامته بهجة جديدة …

ويكتب اسمه فوق كل محطة غادرها نحو البستان … ترك فيها أنامله وطباشيره’ في لواحات السواد …. كان يعزل السواد بالنور وهو يحترق , يذوب ….ستنتهي آلامه .
يحوك أيامه الباقية بشعاع ازاهير البستان …. يطفيء جمرات ذاكرته بندى أمله المرتقب … وضع بسلته تعبه’ في سنين ليزنه بميزان الزمن …. سيمحو حزنه بمداد الخير القادم … لقد اخطئوا إذ وزنوا السنين وتركوا الصاع

 

حسبوا العمر دقائق مجردة وأغفلوا نهارات الأفكار هاجروا معاقرة الحروف وغرام نشوة العلم وعناء الدراسة العالية …
وصل في وسط الجسر … أرتخت أطرافه ولكنه احكم قبضته على أوراقه …. جلس القرفصاء قليلا” أعاد نشاط أوصاله الصارخة المتألمة … ومضى …أطياف عمـره تحتشد في وريقات احتبست بيده …
استمر ثقيلا” في سيره يطفو فوق أنينه … سيصل حتما , قارب على نهايات الجسر الذي أحسه حزينا” … شعر بتعب يلتهم يعضه .
سيدثر عمره الباقي في أمله , ويشدو للطيوف القادمة …. قد يغادر ذكرياته لآمال أجمل .
ويستقبل أحلامه بأغاني شجية لا تعرف الدموع … وسيتنبأ بسحابة فاتنة تسكب في عمره سني الشباب . وبركل فنائه … لم يبقى إلا قليلا” من السفر …
حتما سيصل … سحبه تعبة , ارتخت أوصاله وجلس على الأرض , فتح ساقيه على جوانبها , اخذ نفسا” عميقا” …. عجبا” , لم يسعفه صدره في قبول كمية الهواء المستنشقة … يمنعه الم في صدره …

 

 

يحاول الهدوء يلقي ظهره على دعامة السياج الحديدي للجسر , ينظر نحو الأفق تتراقص أمام عينيه سحابات مبهمة ..
مازالت يده تمسك بالأوراق .. سني عمره … ينظر من بين فتحات السياج … تلك دائرة التقاعد .. قريبة جدا” .. دبت في جسده برودة طاغية أُزدلت أجفان عينيه … ارتخت يداه , سقطت على ساقه وتناثرت الأوراق مع ريح تعوي .. لقد مضى .. ومضت أوراقه التي احتشدت فيها سني عمره … أتاه اليقين فسكت الأنين … وتطايرت أوراق السنين على رصيف الجسر الحزين .

تعليقات الفيسبوك

إترك تعليق

البريد الالكتروني الخاص بك لن يتم نشرة . حقل مطلوب *

*

الإنضمام للجروب
صفحتنا على الفيسبوك
الأكثر قراءة
مختارات عالم الفن
شخصيات عامة